الخميس , أبريل 3 2025
الرئيسية / الأدب المنتفض / وبشر الصابرين

وبشر الصابرين

بقلم الكاتبة زهراء جرادي 

قال الله في محكم كتابه الكريم : “وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ”.
كما وورد في سورة آل عمران:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”.
لقد ذكر الصبر في عدة مواضع من القرآن الكريم كما وورد عدد كبير من الأحاديث التي لا تعد ولا تحصى عن أهل بيت العصمة في أهمية الصبر ودوره في تقويم سلوك الانسان ومسار حياته وتطويره دينياً وعقائياً ،كما وارتبطت الدرجات العليا في الدنيا والآخرة بمقدار الصبر على كم الابتلاءات التي قد يتعرض لها المرء إيماناً منه بقضاء الله وقدره وحكمته في تدبير الامور فعن الإمام الكاظم (عليه السلام): مثل المؤمن مثل كفتي الميزان، كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه، ليلقى الله عز وجل ولا خطيئة له .
وقد تكون هذه الابتلاءات والامتحانات الالهية شخصية تلامس تفاصيلاً تمس ذات الانسان وكيانه الذاتي ،وابتلاءات وامتحانات تخص أمة كاملة بشكل عام ومنها مثلاً تلك الحروب والآفات والانحرافات والتفرقة التي قد تصيب محور التشيع قبل عصر الظهور المبارك، في شتى بقاع الارض والظلم والجور الذي سيحل على أهله حتى يظهر قائم من آل محمد يحق الحق ويقضي على الباطل ولو كره المشركون ،هذه المحن تحديداً تتطلب من المؤمن الموالي كماً هائلاً من الصبر حتى يصل الى كمال الصدق والحقيقة والإنتصار.
ولقد ارتبط مفهوم الصبر بالثبات والتحدي والمكابرة وجهاد النفس على ما لم تسطع عليه صبرا، حتى لا تتزلزل وتتنازل وتتهاون في أي أصل أو وفرع من فروع الدين ويتمثل الجهاد في سبيل الله بأعلى مستوياته في هذا المضمار ليطفو على سطح الواقع بنماذج وطرق وسبلاً شتى .
ومما لا يخفى على الجميع ما تتعرض له بعض دول الشرق الاوسط في مواجهة المخطط الارهابي العالمي الرامي الى تأسيس شرق أوسط جديد بما يتناسب مع مصالح الدول الاستكبارية العظمى بحيث يسمح من خلالها لإسرائيل بدعم أميريكي ودولي بالتوسع والاحتلال لدول مستقلة حرة تمتلك حق السيادة والمواطنة الكاملة على على أراضيها ما أدى الى نشوب الحرب الاخيرة على غزة الحرة وجنوب لبنان الأبي .
ولا يغيب عنا المعنى الحقيقي لكلمة الحرب ولا الأضرار النفسية والبشريةوالاجتماعية والمادية التي تخلفها على الدول الأكثر ضعفاً والأقل عتاداً في مواجهة الطغاة والكيان اللقيط المدعوم دولياً وعسكرياً ومالياً وتكنولوجياً واعلامياً حتى.
كما ولا يغيب عن الجميع حجم الضريبة الباهظة التي ستدفعها القوى المقاومة المحاصرة بأشد أنواع الحصار وعلى مختلف الصعد والمستويات .وعلى الرغم من أنه بمجرد ذكر المقاومة يتبادر الى الاذهان المقاومة العسكرية والذخيرة والشهادة الا أنه بنفس الوقت تحتاج هذه المقاومة لدعم من نوع آخر، الا وهو الثبات والصبر من قبل البيئة الحاضنة بجميع أفرادها ضعاراًوكباراً ،شباباً وكهولاً.
تحتاج الى تدعيم فكرة الصمود والتجذر بالارض والكرامة والدفاع عن العقيدة حتى الرمق الاخير .ان محور التشيع المحارب يعيش منذ ولادته الأولى كل أنواع الظلم فكل مدافع عن الحقيقة مقتول ومشرد ومنبوذ ومضطهد،فأهل البيت عليهم صلوات الله أجمعين هم المحور الاول والقبلة الأساسية التي تحملت كل أنواع الجراحات وكل نوائب الدهر ،بغية إظهارالحق وحفاظاً عن الدين والمبادئ المرسخة من قبل الله عزوجل ،وكان لشيعتهم الحصة الكبرى في عيش المصير ذاته من التضييق والحصار .
كما وإن الحديث عن الصبر لمجرد الحديث والوعظ أمر سهل وبسيط ولكن الانسان لا يشعر بثقله الا عندما تقع الواقعة وينطرح الاستحقاق فالشعب الذي يعيش حالة من الدمار والتهجير والقصف والقتل ويتقن الصبر بفنونه وأنواع ليس كمن يتناوله وهو يعيش الرغد والراحة.
إن ما مر به لبنان عموماً والجنوب خصوصاً من محن سطر أرقى وأجمل معاني الصبر والثبات على الاطلاق
فالشباب المقاوم انتهج الشهادة طريقا وتسلح بالإيمان والعقيدة قبل السلاح وسطر أشرف وأقدس أنواع البطولات حيث أرخصت النفوس فداء للفضية وقدمت التضحيات على مذبح الوطن الجريح الذي ينزف من كل جانب.شأنه شأن كل من ساند ودافع ووقف بجانب الحق ولكنهم آمنوا بوعد الله في كتابه العزيز كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
كما وإن التهجير القسري لشعب فقد كل أنواع الأمان بتهديم ممتلكته وقتل وجرح أهله دون تمييز بين كبير وصغير بآلة التدمير الوحشية لم يكن سهلاً ولم تكن الإثار النفسية والاجتماعية أمرا عادياً بل كان مدمراً لاي فرد في مثل هذه الظروف ولكن قوة الأيمان والصبر على مكاره الدهر التي تربى عليها أهل البصيره كانت دافعاً قوياً للتمسك بالجهاد وعدم الانهيار تحت اي ظرف مهما كان جاحداً وعنيداًمتمسكين بمضمون الاية الكريمة :”فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب “.
كما وأن المرأة الجنوبية كانت أسطورة في الصبر والثبات فأي أمراة مستعدة لتضحي بأبنائها قرابين على مذبح الوطن ومستعدة لتحمل آلام التهجير وكل آفة وبلية ناتجة عنه متمسكة بحجابها ودينها وأبنائها وعفافها ومبادئها وإمام زمانها دون اي تنازل مهما كان رغم أنها في أشد المواقف صعوبة .
نعم أن معادن الصابرين تظهر عند المنعطفات القاسية والغربلات القاتلة ، وليس كل من ادعى الصبر قادر على خوض معاركه وليس كل من تفلسف في معانيه قادر على ترجمته في الحياة وتأديته بكل ثبات .
إن شعباً بسيطاً اتخذ من ليل المصائب جملاً وخاض معارك المواجهة دون كلل او ملل أو تقاعس
مقدماً كل ما باستطاعته لتحقيق النصر المبين ،ليس من الضروري أن يكون مادة تحليلية دسمة في أفواه المحللين والسياسيين المنحرفين عن كل حق وفضيلة في مسألة ربحه وخسارته في حرب ضروس غير متكافئة الاطراف بل يكفيه فخراً وعزاً أنه اجتهد وقدم وضحى بكل ما يمكن ا